الأحد، 25 ديسمبر 2016

مبتعثون يدمرون أبناءهم

يعتقد ذلك المبتعث أن طفله الذي ينطق اللغة الأجنبية كما ينطقها أهلها هو نموذج خارق لم يخلق مثله في البلاد. فتسمع أحدهم يقول: "ابني لا يتحدث العربية... ابنتي تتكلم بنفس نبرة الأمريكان".

ويبدأ الأبوان بالحديث إلى طفلهما بمزيج من العربية (بمستوياتها الفصيحة واللهجية) والأجنبية أو فقط باللغة الأجنبية (المكسرة غالباً) في البيت وخارجه، رغم أن ذلك الطفل قد لا يكون يفهمهما جيداً لأن لكنتهما العربية تطغى على أجنبيتهما، فيكون نطقهما مختلفاً عما يسمعه الطفل في الحضانة أو المدرسة. حينها لا يعلم الأبوان أنهما يدمران ابنهما لسانياً وهما يستعرضان قدرته على الحديث بلغة أجنبية جميلة، وكأنهما ينتقمان لنفسيهما من اللغة التي عانيا في اكتسابها كباراً بابنهما الذي يحسن نطقها. كل هذا مما يعنى به علم اللسانيات الذي سيكون حاضراً هنا حضوراً طفيفاً.

إن علم اللسانيات (على الأقل في مدرسة تشومسكي وأتباعه) طيلة السبعين عاماً الماضية قد توصل إلى نتيجتين أو مسلمتين أساسيتين. أولاهما أن الإنسان حين يتعلم لغة ما في عمر ما لا يصل لمستوى أهلها في الحديث بها وفهمها (Nativeness) إلا في حالات نادرة سجلت تحت مصطلح "متعلمون استثنائيون" (Exceptional Learners) كما في دراسات أجريت على متحدثي الهولندية والإنجليزية وغيرهما. ورغم أنه قد يبدو لك أحدهم متكلماً جيداً بلغة ما إلا إنه عند اختبار الصفات الفيزيائية الصوتية لنطقه عن طريق برامج معروفة يستطيع المتخصص أن يحكم ما إذا كان فعلاً يتحدث تلك اللغة على أنها لغة أم. تفسير هذه الحقيقة العلمية متنازع فيه بين عدة توجهات من متخصصي الأحياء، والأعصاب وعلوم الإدراك، واللسانيات، وعلوم السمع والنطق، وربما تخصصات أخرى لا أعرفها، ولكن من أشهر التعليلات لهذه الظاهرة أن العقل يمر بتغيرات بايولوجية كلما اتجه الإنسان للبلوغ ابتداء من استطراف الدماغ (Lateralization). وبما أن العقل هو الحيز الذي تُودع فيه اللغة، فتبعاً لتلك التغيرات التي تبلغ ذروتها في البلوغ وتدعى (Maturational Constraints)، تتأثر اللغة إنتاجاً وإدراكاً، علماً أن الجهاز النطقي والجهاز السمعي إنما هما رهن ما يدور في عقل الإنسان.

المسلمة الثانية هي أن الإنسان يولد ولديه طاقة إدراكية فطرية قادرة على اكتساب أي لغة في العالم (Innate Capacity)، سواء أكانت لغة محكية أم لغة إشارة. وعلى الرغم من ذلك، فسرعان ما تبدأ هذه الطاقة بالتناقص بشكل متسارع، فيبدأ الطفل في عمر ١٢ إلى ١٤ شهراً يفقد التفريق الدقيق جداً بين الأصوات الدقيقة ما لم تكن في اللغة الأم وتلك الأصوات كالمتشابهات في اللغة الهندية أو البنجابية أو التايلندية وغيرها والتي لا توجد في العربية مثلاً. ثم يبدأ الطفل يتخلص من صناديق بعض الأصوات التي لا يسمعها حوله وإن كانت الفروقات بينها أوضح من تلك الدقيقة، حتى إذا وصل إلى سن الخامسة (حسب دراسات حديثة) أو السادسة (حسب دراسات قديمة) يصل المرحلة الحرجة أو الحساسة على اختلاف العلماء في تصنيفها (Critical/Sensitive Period/Periods) لاكتساب الفونولوجيا (الأصوات). هذا ليس كل ما في الأمر، ولكنه مختصر بسيط جداً لمئات بل آلاف البحوث التي أجريت في علم اكتساب اللغة من قبل الأطفال والبالغين، ولكن هذا كان ضروياً لتأسيس قاعدة علمية لما يتبع من الحديث عن المبتعثين وأبنائهم.

عودة إلى المبتعث صاحب مقولة: "ولدي ما يتكلم عربي" (ويبتسم أو يهز رأسه طبعاً). هل سألت نفسك: "لماذا لا يتحدث ابني العربية؟" أنت تعرف الإجابة جيداً، ولكن دعني أضعها لك في وصفها اللغوي. أنت في بلد الابتعاث تعيش في بيئتين لغويتين مختلفتين، إحداهما ما يسمى بيئة اللغة المهيمنة وهي اللغة التي يتحدثها الناس في بلد دراستك أو إقامتك، واللغة الموروثة التي يتحدثها الأبوان. اللغة الموروثة هنا هي بالضرورة أقل هيمنة من اللغة الرسمية للبلد، وهنا مهما حاول الأبوان تعويض كل ذلك يبقى الطفل ينطبق عليه ما يسمى في علم اللغة "متحدث وراثي" (Heritage Speaker)، وقد أثبتت كثير من الدراسات التي أجريت في أمريكا على متحدثي الإسبانية والعربية وكذلك في إيطاليا وألمانيا وغيرها أن الأطفال متحدثي اللغة الأقل هيمنة يظلون يواجهون مشاكل لغوية إما نطقية أو إدراكية حتى بعد بلوغهم. إذا كانت هذه هي الحال رغم تحدث الوالدين باللغة الأم لهما، فأنت بحديثك مع ابنك بلغة البلد تعطي مساحة أكثر للغة المهيمنة، وتقريباً تقضي على اللغة الموروثة، فتجد أن طفلك فجأة لا يريد إلا التحدث بلغة البلد دون لغة الأبوين. يجدر هنا التنبيه أن الطفل في الأصل قادر على تعلم أكثر من لغة، ولكن يظل أنه لا يوجد ثنائية لغوية متوازنة (No Balanced Bilingualism) خصوصاً عند وجود لغة مهيمنة.

إن العمر يشكل عاملاً رئيساً في هذه القضية. فالأطفال الذين يجيئون لبلد الابتعاث في سن الخامسة يكونون أقل تأثراً بما يحصل من ازدواجية لغوية وخصوصاً في الجانب الصوتي؛ لأن الطفل يكون قد تجاوز المرحلة الحرجة لاكتساب المخزون الصوتي في لغته الأم، إلا أنه قد يتأثر في جوانب أخرى تركيبية ودلالية حسب العمر. الإشكال يقع حين يكون الطفل دون الخامسة، بل إن الطفل في السنة الأولى يظل يقوم بما يسمى التعلم الإحصائي، حيث ينقل جهازه السمعي إلى جهازه الاستقبالي ما يسمعه حوله، فيظل العقل لمدة سنة كاملة يقوم باختزان الأصوات ومعالجتها والتخلص من التفاصيل الصوتية التي لا يسمعها في عامه الأول. هنا حين يكون المنطوق حول الطفل لغة أخرى غير اللغة الأم، يكون الأبوان قد فوّتا فرصة المراقبة الصوتية في العام الأول للغة الأم، وبالتالي سيتأخر لدى الطفل النمو اللغوي في اللغة المنشودة.

السؤال: ما الحل إذن؟ الحل ببساطة: أوقف التحدث مع ابنك أو ابنتك باللغة الأجنبية لسببين: أولهما أن ابنك حساس جداً وجهازه الاستقبالي للصوت أكثر دقة مني ومنك في عمرنا هذا، وإن بدا لك عكس ذلك في حديثه ونطقه، وأنت حين تحدثه بلغتك الثانية لغة البلد تعرضه لمدخلات معيبة (Deficient Input) لكونك أنت لست ناطقاً أصلياً للغة الإنجليزية أو الفرنسية أو نحوها. ثانيهما أنك تعطي مساحة أكبر للبيئة الأخرى التي هي بطبيعتها مهيمنة، فتزداد هيمنة وتنحصر اللغة الموروثة الأقل سيطرة، وما هي إلا مدة زمنية بسيطة ويخرج الموضوع عن سيطرتك مهما أقلعت عن ذنب "ابني ما يتكلم عربي".

الحل الثاني والمهم هو أن تحاول تعريض طفلك للغة الأطفال المتحدثين للعربية بشكل جيد وغالباً هم الذين قدموا من السعودية بعد سن الخامسة، وكذلك قضاء أكبر مدة إجازة في السعودية حيث تكون هناك العربية لغة البيئة. ولهذا جانبان مهمان، أولهما أن الطفل سيلتقي بأطفال آخرين لا يتحدثون إلا العربية، وقد أثبتت الدراسات أن كثيراً من الأطفال يتعلمون اللغة من أطفال آخرين أكثر مما يتعلمونها من آبائهم. الجانب الآخر هو أنك تعيد إعطاء مساحة جديدة للغة الوراثية فيعود الطفل للموازنة اللغوية، ويتخلى مؤقتاً عن لغته الإنجليزية أو غيرها حين يدرك أنه لا أحد يفهمه.

خاتمة وعبرة: قمت بالتدريس التطبيقي في إحدى مدراس الرياض عام ٢٠٠٦/٢٠٠٥ م، ووجدت في الفصل طالباً سعودياً يتحدث العربية بصعوبة إذ كان قبلها مع أسرته السعودية في الخارج، وفي أول يوم لي هناك كان يقول لي الطلاب: "هذا بنقالي يا أستاذ!".
أنت من يختار لطفلك أو يصرف عنه هذا المصير!

يحيى الظلمي @aldholmi
ملواكي-ويسكانسن،  ٢٠١٦
المقال تم نشره في صحيفة صوت المبتعث